ما تبقى

9/10/2026

قبل أسبوعين، وبينما كنت في المرسم أرتب افكاري وملاحظاتي الفنية، انتبهت إلى أشعة الشمس وقد تسربت عبر شباك الواجهة الجنوبية. أعرف هذه العلامة جيدًا, في الصيف تكون الشمس عالية في السماء ولا تصل أشعتها إلى هذا الشباك, تدخل من الشرق صباحا ومن الغرب عصرا وتظل حتى لحظة الغروب، أما من الجنوب فلا اتطل الشمس الا في فصلي الخريف والشتاء وحتى منتصف الربيع. وحين بدأت الشمس تميل نحوه، عرفت أن الصيف بدأ ينحسر وأن الخريف يدنو.
فكرت أن أشارك هذه الملاحظة مع زوجي الذي كان يجلس على الكنبة البيضاء مقابل مقعدي لكنني تراجعت , كان الجو حارًا جدًا وكان للتو قد عاد من الخارج يشكو منه، فقد كنا نعيش موجة من موجات الصيف التي تجعل الحديث عن نهايته دون سابق انذار تبدو كحالة من غرابة الأطوار, كانت درجات الحرارة تعدو منتصف الثلاثين أحيانا. والمنطق يقول ان أحدا لن يتجاوب مع طرح كهذا في مثل هذا الطقس، لذلك احتفظت بالفكرة لنفسي ☺

بعدأيام قليلة مضت بها موجة الحر تلك، صرنا نشعر برعشة في الصباح حين نغسل وجوهنا أو نبقي النوافذ مشرعة كما كنا نفعل في الصيف, السماء ملبدة بالغيوم كلما انظر اليها، أشعر أن شيئًا ما تغيّر فعلًا, لم تعد المسألة مجرد شمس دخلت من شباك المرسم. انتم الآن تفهمون ما الذي أرمي إليه صحيح؟ الصيف يوشك أن ينتهي فعلا.
لماذا كل هذا الحديث عن مضي الصيف؟ هل انتمي الى محبي الشتاء كارهي الصيف؟ لا, انما احب الخريف وسمائه وغروبه, حتى اني اسميه "فصل الغروب الجميل". لهذا أتحدث كثيرا عن هذا الأمر وبلا وعي أجدني أفكر فيه واتأمله واتامل الأشياء به على نحو اكثر رقة وشاعرية ... وحتى لا تفوتني الشمس ولا يفوتني الصيف رأيت أن أستغل ما تبقى منها في الأيام الماضية في تجفيف بعضًا من مئونة الشتاء. وأعلم اننا اليوم نستطيع أن نجد كل هذه الأشياء مجهزة في الأسواق، لكنني أحب أن أصنعها بيدي، أن أستعيد شيئا مما كانت تصنعه جدتي وامي في الماضي, فرشت تحت أشعة الشمس حبات الطماطم وقرون الفلفل الحار .وفي الظل أوراق النعناع , أيضا اقتحمت الخريف قبل قدومه وصنعت كمية صغيرة من الباذمجان المكدوس, وبهذا شعرت أن أمي وجداتي اجمع يشعرن بالرضى نحوي 😍

كانت بداية هذا الشهر أيام العودة الى المدرسة وحتى الآن لا زلت أشعر بثقل الاستيقاظ المبكر وتجهيز طفلي صباحا. أحب ما تعيده المدرسة إلى البيت من انضباط, أحب أن يكون للنوم موعد وللصباح موعد، لوجبات الطعام والدراسة واللهو, أن تعود الأيام إلى شيء من شكلها المعتاد وهذا مريح بحد ذاته. لكن الأسابيع الأولى عادة ما تكون مرهقة. هناك نوم متراكم ونعاس لا ينتهي، فأجدني أجر نفسي خلال النهار من شيء إلى شيء.

ذهبت هذا الصباح لشراء بعض أدوات الرسم. دخلت المكتبة وأنا أعرف ما أحتاجه على وجه الدقة، لكني خرجت منها بأشياء كثيرة أعرف أنني سأحتاجها يومًا ما، لكن وبوضوح شديد لا أحتاج إليها الآن. أنا وصديقاتي نسمي هذا الذي جرى بارتفاع "هرمون التسوق". ذلك الشعور الذي يستيقظ بمجرد أن ندخل السوق، ويبدأ بإقناعنا أن أشياء لم نكن نعرف بوجودها قبل دقائق أصبحت ضرورية لحياتنا. أحاول عادة أن أنتبه إليه, أتكلم مع نفسي بوضوح وأنا أتجول بين السلع, أذكر نفسي بما أحتاجه فعلًا، وأحاول أن أهدئ هذا الاندفاع قبل أن يصل إلى صندوق الدفع. لكن اليوم كل الحوارات التي أجريتها مع نفسي بائت بالفشل, عدت إلى البيت واكتشفت أنني اشتريت كميات صغيرة من أشياء كثيرة. لا أخفي أنني سعيدة بها حتى اللحظة . وربما هذه هو الجانب المقلق صحيا من الامر , أني لا أشعر بأي ندم:)

فنيا انغمس منذ ما يتجاوز الشهرين بمجموعة أعمال لمدينة القدس والمسجد الاقصى المبارك , في عيون ومشاعر أبنائها نحن الذين لا نملك السبيل الى زيارتها او لقائها حتى,
"ألا أراك؟" هو اسم المجموعة, وهو سؤال احمله ونحمله بداخلنا, نابع عن تلك العلاقة الملتبسة التي تجمعنا بمدينة ننتمي لها,لكننا عشنا معها علاقتنا عن بعد, مشاهد للمسجد الأقصى كما قد نراه نحن أبنائه في الخارج، عندما نمارس شعورنا وعادتنا الغريزية في البحث عن جبال فلسطين وعن تلالها وعن تلك القبة الذهبية الغائمة, الغارقة في الافق البعيد, والتي تكفي لتوقظ كل شعور ونبض يدق في صدورنا.

أرسم هذه المشاهد ولا اعلم متى سانتهي من تلك المجموعة ومن هذه المشاعر التي باتت تقود ضربة الفرشاة, الشعور الذي أحاول أن أبقيه في اللوحات ليس الشوق وحده، وإنما سؤالي الذي يكبر في داخلي وفي داخل كثيرين ممن يحلمون بزيارة القدس وفلسطين والمسجد الأقصى، فلسطينيين وغير فلسطينيين: ألا أراك؟ هل نحظى بوصال يومًا؟ هل نلتقي؟
وجود الاحتلال يجعل السؤال حاضرًا دائمًا. حتى حين تكون القدس أمام العين، يبقى الوصول إليها مسألة أخرى واضحة ومعقدة في آن.