مطر يوقظ الدفئ
عن مشاعر قديمة تنهض ببطئ,تعيد للقلب دفئه المفقود
9/25/2025


التاسعة صباحا وأول مطر يهبط من السماء هذا الموسم, بدأ خفيفا قطرات صغيرة تتحسس الزجاج ثم ارتفعت رائحة التراب بسرعة. رائحة مبلولة تشبه ذاكرة بعيدة أكثر مما تشبه اللحظة نفسها, فتحت النافذة قليلا, دخل هواء بارد لكنه منعش. السماء الرمادية فوق البيت, ليست ثقيلة بل هادئة دافئة مصفرِّة. لونها يشبه صفحة تنتظر الكتابة.
قبل سنوات كان الشتاء فصلي المفضل دون نزاع , أحب صوته وصمته ورطوبته, أحب أن يحيط البيت بالبرد من الخارج في حين يمتلئ القلب بدفء داخلي. أحب رائحة المدفأة والكستناء التي تصطلي فوقها, أحب رائحة المندرين والبرتقال وعصير الجريبفروت والحمضيات أجمع والتي تنضج في موسم الشتاء, أحب تلك الوجبة الخفيفة التي نتناولها في ليالي الشتاء بينما نشاهد التلفاز, بطاطس صغيرة مشوية على المدفأة مع خليط الملح والفلفل الأسود وزيت الزيتون, أحب ملابسي الشتوية وألوانها المتدرجة بين الأصفر الى الكموني ثم البرتقالي والأحمر وتلك التي بلون القرميد والتوت, أحب المشي تحت الشتاء بمظلة وبلا, حين ينهمر المطر على وجهي وقلبي وعيناي,, حساء العدس وحساء الشومر واليقطين, الليالي الطويلة التي يختمر بها الرأس بالنوم وتفاصيل كثيرة لا تنتهي...لا أعرف حقاً متى تلاشى هذا الشعور. منذ سنوات صار الشتاء ثقيلا, ومنذ حرب غزة قبل عامين صار المطر يوقظ حزنا جديدا لا اسم له كأن البرد يلامس مكانا انطفأ في داخلي. من ينقذ شعلة القلب ان لامسها البرد؟
في العام الماضي كان البرد شديدا على جسدي وكثيرًا ما يفوق قدرتي على احتماله, عظامي ترتجف حتى عندما كنت أجلس أو أستلقي على على نحو ملاصق للمدفأة, كانت غدتي الدرقية متعبة وتعمل بنشاط هائل طوال الوقت, طلب مني الطبيب حينها بوضوح ودقة الإبتعاد عن مصادر القلق والتوتر والإلتزام بالدواء, أشهر قليلة وستعود الحياة على ما يرام؛ هكذا أخبرني, اجتزت ذلك بعد شهر واحد, قال لي أن جسدي يقظ ويتجاوب بسرعة قل نظيرها, بحمد الله شفيت, لكني بقيت بانتظار عودة الشمس, لا أطيق المطر أو النظر اليه, تجتاحني خيام غزة وأطفالها الغارقين بماء السماء, ويجتاحني معها بردها وليلها القاسي الطويل.
فكرت كثيرا بمصدر هذا الشعور كيف تبدل, قالت صديقة انها عاشرت تبدل المشاعر ذاتها وبفهم بالغ الدقة تقول انها لاحظت ذلك عندما صارت أُمًا للمرة الاولى, ارتبط فصل الشتاء لديها بالأمراض الصدرية التي تصيب صغيرها, تنازلت عن مشاعرها نحو الشتاء واستبدلتها بحب قلق ورغبة غريزية بالحماية, طمأنني كلامها وبطريقة ما أضاء في قلبي شمعة نحو شعور يركن في مكان مظلم, تسائلت في الوقت ذاته في نفسي, لماذا كل هذا الإهتمام والتفكير بالأمر؟
يقودني للحديث عن كل هذا شعوري القديم الذي لامسته اليوم ساعة المطر, لا أعرف كيف حدث هذا التغير أو كيف عاد شيء من دفء الماضي إليّ. كل ما أعرفه أنني استقبلت أول شتوة بقلب مستعد أو على الأقلي أني لم أعد أخشاه.
دخلت الغرفة وخزنت ملابس الصيف. طويت الأقمشة الخفيفة وأبعدتها عن الرفوف الأمامية ثم أخرجت ملابس الشتاء الصغيرة لأطفالي, كانت رائحتها تشبه العام الماضي, رائحة صابون أطفال وذكريات. ثمة لمعة خفيفة في قلبي وأنا أرتب السراويل السميكة والكنزات الصغيرة, ألبست أطفالي ملابس دافئة وجوارب جديدة, كانوا منشغلين بألعابهم فلم يكترثوا بها,
الآن أراقب السماء وهي تغيّر مزاجها عبر النافذة وأراقب الأرض وهي تلمع. رائحة المطر قوية ونظيفة, أدون هذا, ألتقط الصور, وفي رأسي أرسم بطبقات زيتية سميكة سماءًا رمادية ماطرة فوق بيت دافئ. لعلها تصير اليوم لوحة فوق قماش من الكتان!.























