! ليل وجاز
5/27/2026


الساعة متأخرة وأدرك ذلك دون أن أنظر إليها، من هدوء البيت والشارع, وأشعر كما لو ان الكون كله يغط في سبات عميق باستثنائي.
تنساب على مسمعي موسيقى جاز خافتة من مرسمي, حيث الكلمات غير واضحة في رأسي لكنها حاضرة. إيقاع بطيء متكرر دون اي نوع من الاستعراض اللغوي, في الوقت ذاته تحضر الصورة السينمائية والمشاعرية عالية ومكقفة. أدندن معها أحيانًا ثم وفي أحيان أخرى أنسى أني أستمع الى شيئ واني اوظب المنزل وان الكون كله نائم سواي, ولربما هذا أفضل ما يمكن للموسيقى أن تفعله بالمرء.
أنهيت بعض الأعمال المنزلية التي لا أذكرها جيدًا. معظمها من ذلك الروتين اليومي الذي أمضي فيه دون تفكير مسبق. رتّبت غرفة المعيشة، نظّفت المطبخ، ونقلت أشياء من مكان إلى آخر، إلى مكانها الذي سميته لها.
أجلس قرب النافذة المغلقة وأدوّن هذا. لا أفتحها فالجو ضابي ومغبرّ, وجيوبي الانفية على أهبة الاستعداد كي تشعر بالحساسية والاحتقان. القمر كبير ويترائى لي من بين غيوم وضباب, ليس مكتملًا بعد لكنه يبدو لي كذلك. ضوءه يصل بتلألؤ هادئ، يلامس طرف الستارة, حافة الطاولة، أوراق النبتة المحاذية للنافذة، يدي، عينَيّ، شعري، وشيئًا أعمق لا أدرك تسميته.
أفكر في الأيام الماضية، أحاول استرجاع هذا الشهر وهو يقترب من نهايته. لم يحدث الكثير، لكن مشاعر هائلة تموج في ذاكرتي عن نيسان، كبحر حقول القمح، وزهور البابونج الربيعة البرية, وتجمعات الحنون الحمراء الجامحة, التي تملأ حقول مدينتي وجوانب الطرقات.
تبدو مدينتي إربد في هذا الفصل مختلفة عن سائر عهدها في باقي أيام السنة. أكثر هدوءًا وجمالًا ونظافة. يأتيها الناس من كل المحافظات طلبا للتنزه والاسترخاء, أما نحن أهل المدينة وسكانها, فنفتح الأبواب والنوافذ فنجد أنفسنا في وسط ذلك كله. أهلًا بكم في الشمال :)
لم يحدث الكثير ومع ذلك كان كل يوم ممتلئًا بتفاصيل صغيرة مهمة بالنسبة لي. يكبر صغاري بسرعة أخشاها. ظهر السن الأول لريف، تتصرف به وكأنها ترغب بتجرّبته وشحذه على كل شيء. تبتسم ابتسامة مشاكسة معجونة بمكر طفولي بريئ يظهر بها سنّها الوحيد، ثم تقضم وجوهنا وأصابعنا وأنوفنا. تهتم كثيرًا بشعر شقيقها ديار، تشده وتضحك..
أما ديار، التشكيلي الصغير، فنستعد هذا الشهر لطلاء الجدران، لنمنحه مساحة نظيفة من جديد لخطوطه وألوانه بعدما امتلأت بها الجدران والأمكنة. ألتقط له الصور، وأدعو في سرّي أن تُبارك أنامله الصغيرة، وأن يقوده ذلك نحو الفن والجمال.
يزداد سراج قربًا من الموسيقى؛ يعزف على البيانو بشغف صار واضح على شخصيته، يقرأ في سير الموسيقيين، ويستمع إلى بيتهوفن وشوبان وموزارت وباخ وكليمنتي في اوقات عديدة مستقطعة في حياته, يحاول أن يصف ما يسمعه وأن يلمس الفلسفة الشعورية الخاصة بكل واحد منهم. يعينني في شؤون البيت، ويحيط إخوته الصغار بعنايته الهادئة, الواعية في آن.
أما زوجي، فيبدو وكأنه تفرّغ على نحو محترف لالتقاط الأماكن الجميلة وتخطيط الرحلات الأسبوعية. يؤكد لي في كل مرة أننا قد نعود في صباح يوم ربيعي من العام التالي أو الذي يليه الى الأماكن ذاتها, لوحدنا ,عندما يكون اطفالنا في سن اكبر قليلا منشغلين في رياض الأطفال والمدرسة, وكيف سأحظى من جديد بفرص لفرش ألواني الزيتية وخطوطي الانطباعية في الطبيعة, لالتقاط الضوء والظلال والأشجار والبيوت والزهور والتلال البعيدة,
النهار صار أطول، وهذا يبهجني. العمل يتقدّم بهدوء. أقصد اعمالي الفنية بالطبع, أمضي وقتًا أطول وأكثر انتظامًا أمام حامل اللوحات. أنجزت هذا الشهر عملين، وأواصل العمل الآن على اثنين آخرين دون استعجال. أتخلّص بشيء من الجرأة من أشياء لم أعد أحتاجها، وأخرى فقدت معناها بالنسبة لي, من مادة وعلاقات ومع كل ما أتركه خلفي أشعر بخفة اكثر, قد يبدو التخلّي نقصًا كما يظنن العقل، لكنه في الحقيقة انكشاف للمساحة والفراغ, المساحة والفراغ ليسا شيئا واحد بل هو الفرق بين الذي علينا ابقائه فارغا وبين ما علينا ملؤه بما يناسبه.









